وحدة اعلانية

بحث في الموقع

الفساد في تونس: بارونات تتحكم ودولة صامتة


  • بعد مضي خمس سنوات بات الحديث عن استشراء الفساد في تونس إحدى أهم القضايا التي تشغل اهتمامات الرأي العام حيث لا يتردد متابعون في التأكيد على ظهور “فاسدين جدد” قد يحولون تونس إلى دولة “مافيا”.

العرب  [نُشر في 2016/04/21، العدد: 10252، ص(4)]

الفاسدون الجدد يتحكمون في مفاصل الدولة

تونس - يؤكد خبراء اقتصاديون أن منسوب الفساد الإداري والمالي زاد بعد الثورة التونسية التي قامت من أجل تفكيك منظومة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، لكن الواقع اليوم يُخبر بعكس ذلك.
وسجّلت الدوائر الرسمية تحايلا كبيرا على الصفقات العمومية، وتقول بعض التقارير إن ما خسرته الدولة سنة 2014 كان في حدود 18 بالمئة من حجم الصفقات، دون فتح هذا الملف جديّا والذي يكلّف الدولة خسائر تثقل ميزانيتها.
وتتجنب الأحزاب الكبرى الخوض بعمق في ملفات الفساد المتشعبة نظرا لعلاقتها الوطيدة بالمال السياسي وأيضا في علاقة هذه الأحزاب برجال الأعمال خاصة الضالعين منهم في قضايا فساد.

ومثّل التعاطي مع رجال الأعمال المورطين في الفساد النقطة السوداء في سجل الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة، وتطرح اليوم هذه المسألة بأكثر وضوح نظرا لدخول بعض رجال الأعمال على الخط الحكومي بصفة علنية ورسمية وأصبحوا من الفاعلين السياسيين وأصحاب القرار وجزءا من تركيبة الحكومة.
وأحدث التراجع في مقاومة الفساد الذي يعد من الملفات الحساسة والمحورية حالة من الإحباط عبّرت عنها مجموعة من الخبراء الذين تساءلوا عن مصير الملفات التي تم الاشتغال عليها على امتداد الفترة الماضية على غرار الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد وغيرها من الإجراءات التي وإن اقتصرت على البعد النظري في غياب خطوات عملية لكنها تظل في تقدير الكثيرين بوادر إيجابية بحاجة إلى المزيد من الدعم حتى يتمّ تفعيلها.
وفي هذا الصدد، حذّر شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية التونسية لمكافحة الفساد، من تحول تونس قريبا إلى “دولة مافيوية” إذا لم يتم ضبط استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد.
وقال الطبيب “لو يتم تنفيذ 60 أو 70 بالمئة من مهام الهيئة التي يضبطها القانون والمستمدة من الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، التي صادقت عليها تونس سنة 2008 سنحدّ من منسوب الفساد بصفة كبيرة”.
وكشف الطبيب أن ملفات الفساد لا يتم النظر فيها بالسرعة الكافية، مشيرا إلى أنه من بين 3000 ملف فساد وردت في تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد (تشكلت سنة 2011 وتعتبر هيئة مكافحة الفساد تواصلا لها)، لم ينظر القضاء إلا في 10 بالمئة منها إلى اليوم. وتساءل الطبيب عن مصير 90 بالمئة من تلك الملفات.
وعزا تأخر النظر في قضايا الفساد إلى أن هيئته والهيئة القضائية التي أوكل إليها هذا الملف “القطب القضائي المالي” (بدأ العمل في فبراير 2013) يعانيان نقصا في الإمكانات البشرية واللوجستية.
وأضاف أن القطب القضائي المالي الذي تم استحداثه بعد الثورة يتعهد الآن بـ1200 ملف فساد متعلقة بالرئيس السابق وعائلته ونظامه، علاوة على ملفات أخرى بعد الثورة، وهو يعمل بـ7 قضاة تحقيق و7 مساعدي وكلاء الجمهورية (النيابة العمومية) فقط، وأكد الطبيب أن الجهاز القضائي التونسي يعاني من نقص 1200 قاض.
ولفت رئيس هيئة مكافحة الفساد إلى أن “ملفات الفساد معقدة والمتورطون فيها يملكون من القدرات المالية ويستعينون بخبرات شيطانية هامة في التحايل وتركيب الملفات المالية والقانونية ولكم في ملفات وثائق بنما دليل على ذلك”.
وتابع الطبيب “الخبراء في المالية والبنوك الذين يتم الاستعانة بهم بعضهم تعرضوا للابتزاز والرشوة والفساد لقربهم من منظومة المال ورجال الأعمال”.
ووصف مجابهة ملف الفساد بالـ”المغامرة”، مشيرا إلى أنهم “بصدد مجابهة النقص الفادح في الإمكانيات وبعض محاولات التشكيك، وفي مجابهة قوة ولوبيات كبيرة وضاغطة ونافذة والبعض منها أو معظمها متمكن من أجهزة الدولة والإدارة”.
وأوضح أن “الرئيس السابق زين العابدين بن علي كان على رأس منظومة فساد، وبعد رحيله هناك من قفز إلى رأس المنظومة، التي أصبحت برؤوس متعددة بعد أن كانت برأس واحدة، وهذا ضاعف من حجم المسؤولية، وصعب علينا وعلى غيرنا أي محاولة لتفكيك هذه المنظومة”.
وتتطابق تصريحات الطبيب مع تصريحات صحفية سابقة أدلى بها كمال العيادي رئيس الفرع الإقليمي لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط لمحاربة الفساد أكد خلالها أن “الفساد انتشر” بعد ثورة 11 يناير.
وقال العيادي آنذاك إن تفكيك منظومة نظام حكم بن علي قادت إلى “بروز مراكز نفوذ وفساد جديدة” في ظل ضعف أداء الدولة ومراقبتها.
وبحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية حول الدول الأكثر فسادا لسنة 2015 والذي نشر في يناير الماضي، سجلت تونس تراجعا في مؤشرات مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة الـ76 برصيد 38 نقطة من 100 نقطة ممكنة.