وحدة اعلانية

بحث في الموقع

الفرنكوفونية وبلدان المغرب العربي؛ إشكالية الثقافة والهوية الفرنكوفونية وبلدان المغرب العربي؛ الكاتب: أحمد الناصر



الفرنكوفونية وبلدان المغرب العربي؛ إشكالية الثقافة والهويةأسست الفرانكوفونية رسميًا عام 1970، يتمثل هدفها الاستراتيجي في تفعيل اللغة الفرنسية وتطويرها والترويج لها، إلى جانب المحافظة على التنوع الثقافي واللغوي للدول الأعضاء، ويقع مقرها الرئيس في العاصمة الفرنسية باريس؛ أما مصطلح الفرانكوفونية فيعود إلى الجغرافي الفرنسي (أونسيم روكولو)، وقد عرّفه عام 1880 بأنه مجموع الأشخاص والبلدان التي تستعمل اللغة الفرنسية؛ وتتكون المنظمة اليوم من 84 دولة منتشرة في قارات العالم كلها، (58 عضوًا و26 بصفة مراقب)، وهو ما يمثل أكثر من ثلث الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة التي تضم 900 مليون نسمة من بينهم 274 مليون ينطقون بالفرنسية؛ وتنشط المنظمة في دعم الثقافة والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والإعلام وحقوق الإنسان؛ إضافة إلى تطوير التعاون والخدمات والتنمية المستدامة.


تناقش هذه الورقة المسألة من خلال المحاور الآتية:
  • الفرانكوفونية تلاقح ثقافي أم استعمار لغوي؟
  • الفرانكوفونية المغاربية بين الرفض والقبول.
  • القبول؛ تونس والمغرب.
  • الفرانكوفونية في الأدب المغاربي وإشكالية الهوية اللغوية.
  • المدخل
بدأت مرحلة الاستعمار المباشر الذي أشرفت على تنفيذه دول القوّة في القارة الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا، في أجزاء واسعة من العالم العربي، عقب قيام الثورة الفرنسية 1789 وتحوّل المواجهة بين الدولتين من القارة الأمريكية الشمالية إلى شمال أفريقيا والمشرق العربي.
مثّلت حملة نابليون على مصر 1798- 1802م وما تمخّض عنها من اتصال الشرق بالغرب، سياسياً وعلمياً وثقافياً([1])، فاتحة عصر الاستعمار الغربي للمنطقة العربية، إذ وجّهت أنظار بريطانيا والغرب عموماً إلى أهمية السيطرة على بلدان المنطقة وضمّها إلى إمبراطورياتهم الاستعمارية، الممتدة آنذاك من أقصى الغرب الأمريكي مروراً بسواحل القارة الأفريقية وصولاً إلى الصين.
كانت أقطار المغرب العربي -عدا ليبيا- من حصة الإمبراطورية الفرنسية منذ احتلالها للجزائر عام 1830، ثم تونس 1881، فالمغرب 1912م؛ معتبرة أن تلك الدول امتداد طبيعي للدولة الفرنسية على الشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط. جاء استقلال الجزائر عن فرنسا عام 1962 ليعلن انتهاء عصر الاستعمار الفرنسي المباشر لدول المغرب العربي بعد أن سبقه استقلال المملكة المغربية 1955 وتونس 1956م.
لكن هل انقطعت العلاقة بين فرنسا ودول المغرب العربي حالَ نيل الأخيرة استقلالها السياسي؟ وإن كانت ما تزال قائمة بين الطرفين، فما هو شكل العلاقة القائم اليوم، وما دور المنظمة (الفرانكوفونية) في رسم خطوطها الفكرية والأدبية في المجتمعات المغاربية؟

  • الفرانكوفونية؛ تلاقح ثقافي أم استعمار لغوي؟
رغبت فرنسا في إنشاء جسمٍ يعيد تشكيل إدارتها على المناطق التي خضعت لسلطتها السياسية في الماضي، ولكن بصورة حضارية هذه المرة، تخلو من أشكال الهيمنة التي مارستها على شعوب مستعمراتها في الماضي. ولإدراكها جيداً أهمية الثقافة في بناء الثقة بين المجتمعات، ولرصدها حجم المعاناة التي يعانيها مفكرو الدول التي خضعت لسيطرتها وأدبائها، فقد أحيت فرنسا المنظمة الفرانكوفونية لتحقيق غايتها المنشودة.
أسست المنظمة رسميًا عام 1970، ويتمثل هدفها الاستراتيجي في تفعيل اللغة الفرنسية وتطويرها والترويج لها، إلى جانب المحافظة على التنوع الثقافي واللغوي للدول الأعضاء، ويقع مقرها الرئيس في العاصمة الفرنسية باريس. أما مصطلح الفرانكوفونية فيعود إلى الجغرافي الفرنسي (أونسيم روكولو)، وقد عرّفه عام 1880 بأنه مجموع الأشخاص والبلدان التي تستعمل اللغة الفرنسية([2]). وتتكون المنظمة اليوم من 84 دولة منتشرة في قارات العالم كلها، (58 عضوًا و26 بصفة مراقب)، وهو ما يمثل أكثر من ثلث الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة التي تضم 900 مليون نسمة من بينهم 274 مليون ينطقون بالفرنسية([3]).
تنشط المنظمة في دعم الثقافة والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والإعلام وحقوق الإنسان؛ إضافة إلى تطوير التعاون والخدمات والتنمية المستدامة.

  • الفرانكوفونية المغاربية بين الرفض والقبول
  • الرفض؛ الجزائر
تأتي الجزائر في المرتبة الثانية استعمالاً للغة الفرنسية بعد فرنسا، وذلك نتيجة المدة الزمنية الطويلة في ظل الاستعمار الفرنسي التي تجاوزت 130 عاماً؛ إلا أنها ما تزال تعمل بصفة مراقب في المنظمة، وتشارك بصورة منتظمة في قمم المنظمة الدولية للفرانكوفونية (OIF)، منذ قمة بيروت (لبنان) في 2002 بوصفها ضيفاً خاصاً. ويأتي رفض الجزائر –كحكومة- الانضمام كعضو أساس في المنظمة، بسبب حساسية الموقف التاريخي من الاحتلال الفرنسي المرتبط بالانتهاكات الإنسانية المرتكبة بحق الشعب الجزائري ضمن ما أطلق عليه ثورة المليون شهيد.
يصف أحد الكتّاب والسياسيين الجزائريين المنظمة بقوله: هي منظمة تندرج في إطار الاستعمار الجديد، وفرنسا تستعمل الفرنسية لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية([4]).
يدور جدل حاد وقائم في الجزائر بين الفرانكوفونيين والمعربين (دعاة الهوية العربية الإسلامية)، فالأطراف الداعية إلى انضمام الجزائر إلى المنظمة الفرانكوفونية ترى أن الأمر منطقي وبدهي ويجب أن ينظر إليه من منظار براغماتي نفعي ومن منظار العولمة والعصر الذي نعيش فيه، فالداعون إلى الانضمام يرون أن الجزائر أولى بمنظمة الفرانكوفونية من ألبانيا ورومانيا ودول أخرى لا علاقة لها باللغة الفرنسية. وبحسب رأيهم فإن الجزائر تتوافر على شروط الانضمام كلها وأنها ستكون المستفيدة من المنظمة الفرانكوفونية وستحصل على مزايا ومساعدات مالية وعينية وعلى مطبوعات بأسعار زهيدة وكذلك الاستفادة من برامج محو الأمية التي تموّلها المنظمة.
أما الطرف المعادي للانضمام فلا يرى خيراً في الفرنسية وفي منظمة الفرانكوفونية لأنها منظمة تعمل للدفاع عن مصالح فرنسا ونشر الأيديولوجية الفرنسية، وبخاصة أن فرنسا وأتباعها قد أعلنوا تحول الفضاء الفرانكوفوني إلى فضاء سياسي([5]).

  • القبول؛ تونس والمغرب
أما في تونس والمملكة المغربية، فتبدو العلاقة مع الثقافة واللغة الفرنسية أقلّ تعقيداً وأكثر هدوءاً؛ وربما يعود ذلك الى أن هذين البلدين لم يعانيا كالجزائر من الاحتلال الفرنسي، وأن الحضور الفرنسي فيهما كان شبيهاً بما كان عليه في لبنان وسوريا. وتعتبر تونس من الدول الأولى المنضمّة إلى المنظمة الفرانكوفونية، وكان رئيسها الراحل الحبيب بورقيبة أحد مؤسسيها ومن الموقعين على ميثاق إحداثها يوم 20 مارس/ آذار 1970. فاحتلت بذلك منزلة مميزة بين دول المنظمة، ونالت دعم المنظمة في إنشاء عدد من المشروعات التعليمية والثقافية على أراضيها. وعام 2015 اختيرت تونس العاصمة لإجراء حفل إعلان نتائج جائزة غونكور التي تعدّ من أشهر جوائز الأدب المكتوب باللغة الفرنسية، وتمثّل المعيار الأدبي في كامل منظومة الفرانكوفونية([6]).
ودلالة أوضح على منزلتها، فقد اختيرت تونس أيضاً لاحتضان القمة الثامنة عشر للمنظمة المزمع تنظيمها خلال سنة 2020، وتتزامن مع الاحتفال بخمسينية المنظمة الدولية للفرانكوفونية.
وفي مطلع شهر شباط/ فبراير 2018 أجرى الرئيس الفرنسي ماكرون زيارة إلى تونس ليلقى خطاباً حول الفرانكوفونية ومستقبل اللغة الفرنسية أمام البرلمان التونسي، ومصير الفرانكوفونية، لغة وثقافة، في تونس والمنطقة المغاربية عمومًا؛ فقال([7]): الفرانكوفونية ليست مشروعًا فرنسيًا، فتونس من البلدان التي حملت الفرانكوفونية، فهي ملك لهذا البلد، وتابع قائلاً: الفرانكوفونية ليست مشروعًا قديمًا، بل مشروع مستقبلي، فتحدث اللغة الفرنسية يعد فرصة حقيقية، في المستويات اللغوية والاقتصادية والثقافية.
ولعل هذا الخطاب الصريح والمباشر أمام أكبر مؤسسة تمثّل الشعب في تونس، حمل داخل طيّاته دلالات عدّة تتعلّق بتوجّهات رأس المنظمة، المتمثّل بالرئيس الفرنسي، نحو المنطقة المغاربية باعتبار حضورها أمراً واقعاً ورئيساً في المنظومة الفرانكوفونية.
أما بالنسبة إلى المملكة المغربية، صاحبة العضوية المغاربية الثانية في المنظمة، فلا يختلف الأمر كثيراً عن تونس؛ ولطالما أعلنت الحكومة المغربية، في أكثر من مناسبة رسمية وشعبية، تعاونها التام مع المنظمة ودولها على الصعد جميعها، مؤكدة أن المملكة المغربية تعمل جنبًا إلى جنب مع المنظمة الدولية الفرانكوفونية من أجل تعزيز قيم الحوار بين الثقافات والأديان؛ ويمر التعاون بين المغرب والمنظمة على صعيد القارة الأفريقية عبر مشروعات التنمية الشاملة والمندمجة التي أقدم المغرب على إطلاقها في بعض الدول الأفريقية الفرانكوفونية([8]).
وعلى الرغم من الموقف الرسمي الداعم للمنظمة في المغرب، إلا أن الشارع يرى عدم توافر مقومات الفرانكوفونية في البقاء والاستمرار([9])، وأن عوامل هدمها وتجاوزها أصبحت حاضرة بقوة، مثل الانتشار الواسع للإنكليزية لكونها لغة العلم والتواصل، في مقابل التراجع المستمر للدور الفرنسي في الساحة الدولية؛ وأن الرهان على الفرانكوفونية خاسر، لا يمكن للمغرب معه أن يكون في مصاف الدول التي تواكب البحث العلمي وتسعى إلى التواصل مع العالم كله، ويرجع أسباب نجاح الفرانكوفونية في المغرب إلى الفشل الذريع الذي مس نظامها التعليمي، داعيًا إلى الانفتاح أكثر على الإنكليزية والإسبانية، مشيرًا إلى أن الفرنسية ستعرف نهايتها على أقصى تقدير بعد عقد ونصف من الزمن.

  • الفرانكوفونية في الأدب المغاربي وإشكالية الهوية اللغوية
  • الدوافع
بعد أن استعرضنا الدور العام للمنظمة داخل المجتمعات المغاربية، والتفاوت في شرح مفهومها وأبعادها ومدى تقبّلها لدى دول المغرب العربي؛ نحاول الآن تسليط الضوء على إشكالية الجانب الأدبي المتمثل في أدباء الرواية المغاربية ونتاجاتهم في ظل استخدام الفرنسية لغة تأليف روائي وقصصي بديلة من اللغة العربية الأم.
لجأ عدد من روائيي المغرب العربي إلى استعمال اللغة الفرنسية في تأليف رواياتهم، لأسباب شكلية وموضوعية، تختلف بين مؤلف وآخر؛ إلا أن أبرز الأسباب التي يتفق عليها المؤلفون تتعلّق، في الدرجة الأولى، بالدعم المادّي والتسويقي المقدّم من المنظمة، التي نشأت أساساً للاهتمام باللغة الفرنسية ودعمها داخل الدول الفرانكوفونية.
إضافة إلى ذلك، فإن اللغة العربية تعيش في ظل الفرانكوفونية وضعاً صعباً، فهي مهمّشة ويتوضح ذلك من خلال مبيعات الكتّاب العرب في بلدان المغرب العربي الذين لا تروّج كتبهم كما يجري الترويج للكتب الصادرة باللغة الفرنسية لمؤلفين عرب؛ ولو قارنا على سبيل المثال مبيعات كتب الطاهر بن جلون وأمين معلوف بالكتّاب الذين يؤلفون باللغة العربية، نجد الاختلاف كبيرًا، من خلال ترويج الجوائز والمكافآت والحوافز للأدب الفرانكوفوني. وما يزال الأدب العربي يفتقر إلى البنية التحتية التي تساعد في ترويجه وترقيته([10]).

  • القلم الفرنسي وآراء الأدباء
نودّ الإشارة أولاً إلى خصوصية الحالة الأدبية الجزائرية المتعلّقة بأزمتها اللغوية وأسبابها قبل تسليط الضوء على آراء الكتّاب، وجلّهم من الجزائر أيضاً:
كان لتأخر الثقافة العربية، بسبب السياسة الفرْنَسة التي طبقها الاستعمار الفرنسي طويل الأمد على الجزائر، دور واضح في تخلف اللغة العربية، ما أوجد فجوة كبيرة في الحصول على أسلوب لغوي أدبي مرن، روائي وقصصي، فكان من البدهي أن يلجأ الكتاب الجزائريون إلى استخدام اللغة الفرنسية لملء الفراغ، فساهموا بطريقة غير مباشرة في تطور الفن الروائي نسبيًا.
غير أنه وفي خضم تنامي الروح الوطنية، وتطورها تولّد حقد ضد كل ما يمت إلى الاستعمار بصلة، فكان الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية في موقف الاتهام، فنُظر إليه نظرة رفض وإنكار، هذا على الرغم من تعبير الروايات معظمها عن واقع وطني جزائري([11]).
ومن خلال تتبع تصريحات بعض الأدباء الجزائريين الذين يكتبون بالقلم الفرنسي ووجهات نظرهم، وأبرزهم رشيد بو جدرة وكاتب ياسين ومالك حداد وليلى صبار؛ نجد أن الكاتب مالك حداد([12]) يقر بدور الأدب الجزائري المكتوب بالحرف الفرنسي، في تصويره وتجسيده للمجتمع الجزائري من خلال اللغة الفرنسية، ما أنتج خطابًا هجينًا، نتيجة تفاعل الجسد اللغوي الأجنبي مع الروح العربية الجزائرية، إلا أن طغيان الروح الوطنية، وطغيانها على القالب اللغوي الأجنبي أدى بالنقاد الفرنسيين إلى رفض الأدب الجزائري، واعتباره أدباً أجنبياً يختلف اختلافًا كبيرًا عن الأدب الفرنسي. فأثار ذلك الرفض تساؤلاً لدى الكاتب حول حقيقة هوية الأدب الجزائري المخطوط بالفرنسية.
أما الكاتبة ليلى صبار، فتعتبر أن انتماء الأدب يكمن في جغرافيته، وانتماء الأديب يساوي انتماء إبداعاته، والاعتراف بالرقعة التي ينتمي إليها، يستلزم الاعتراف بإمكاناته الإبداعية و الثقافية، وكل رفض لمكان المبدع يعني إنكار إبداعاته وعدم الاعتراف بهويته.
وتقول الكاتبة ميساء باي في أحد كتبها([13]): أنا لا أجد حرجاً في التعبير عن نفسي باللغة الفرنسية، المهم بالنسبة إلي أنا المرأة التي تعيش في الجزائر أن أستطيع التعبير عن نفسي، وأن أستطيع قول ما يجب أن أقوله.
وشعر رشيد بو جدرة بالأسف، وهو الذي كتب سبع روايات باللغة الفرنسية، فقال: إن استغلال الفرنسية في المغرب العربي سيظل دائمًا عملية سامة، فلماذا اللجوء إلى نمط ثقافي آخر لتغيير مجتمعنا؟ لماذا نعمل هنا على تطوير أدب مكتوب باللغة الفرنسية؟ وهل حدث أن سعى شعب ما إلى البحث عن جذوره في لغة أخرى غير لغته؟. أما كاتب ياسين فيصرّح: لقد عشت مدّة طويلة في فرنسا، وأعرف كيف تفهم هنا المسألة التي يريد الكاتب الجزائري نقلها من خلال نتاجه، كيف حوّر وشوّه، وكيف أن (الماكينة) الأدبية والصحافية والصالونات والجوائز الأدبية، تفضي كلها، في نهاية المطاف، إلى مؤامرة كبيرة ضد الجزائر، وضد أفريقيا والعالم الثالث، وكل ما هو نحن([14]).
وبالانتقال إلى أدب المملكة المغربية، سنكتفي برأي الروائي المعروف الطاهر بن جلّون، وهو من أكثر الكتاب المغاربة الذين يكتبون باللغة الفرنسية شهرة، ومن أغزرهم إنتاجا وأكثرهم قراءة في أوروبا والمغرب، ومن أكثر الكتاب إثارة للجدل والانتقادات بسبب آرائه التي ينشرها في الصحف والمجلات الفرنسية. ويقدّم ابن جلون رأياً آخرَ يخالف ما طرحه أدباء الجزائر، إذ يعتبر أن اللغة العربية فيها من القداسة والرهبة ما يمنعه من الكتابة بها، ويعترف أن لغته الفرنسية تتفوق على لغته العربية، ويضيف([15]): محافظة على اللغة العربية، ولكي لا نتعسّف عليها ونشوهها، فضلت أن أتقن أكثر اللغة الفرنسية حتى يكون العمل الابداعي الذي أقدمه في المستوى؛ ليس الأساسي هو اللغة ولكن ما يكتب. فنحن نعبر عن واقعنا ولو باللغة الفرنسية، ولاحظت أن العالم الغربي كان ينتظر شيئا من عالمنا المغربي، فالكتابة بالفرنسية سهلت عملية التعرف إلينا وإلى بلداننا.
ويتفق طرح أغلب أدباء تونس مع الرأي الأخير للأديب المغربي بن جلون، ويضيف بعض الكتّاب بأن استخدامهم للفرنسية كلغة بديلة عن العربية، لأن اللغة العربية قاصرة عن التعبير كما يدعون، بل يذهب بعضهم إلى أنها عاجزة؛ ما دفع الروائي التونسي المقيم في باريس الحبيب السالمي إلى الرد على هذا الادعاء بالقول([16]): أحب الفرنسية وأقرأ بها كثيرًا، لكني أعشق العربية. أما الذين يقولون إن اللغة العربية عاجزة عن التعبير عن هموم العصر أو إنها غير دقيقة فهم لا يعرفون هذه اللغة ويجهلون عبقريتها وقدراتها الهائلة.

  • ختاماً
نلاحظ مما سبق أن اختلاف المواقف بين دول المغرب العربي من المنظمة الفرانكوفونية، يتبع بشكل رئيس لاختلاف المواقف السياسية والتاريخية من الدولة الفرنسية، ولمسنا ذلك بصورة جليّة من خلال التناقض الحاصل بين وجهة النظر الجزائرية من جهة، والتونسية- المغربية من جهة أخرى.
ويظن بعضهم أن مشروع الفرانكوفونية هو مشروع ثقافي في طرحه، إلا أنه يتطلع إلى غايات سياسية واقتصادية، وذلك من خلال التدابير المتخذة لنشر اللغة الفرنسية وثقافتها باستعمال أساليب متعددة كمحطات التلفزة الفرنسية ذات البرامج الموجهة إلى دول المغرب العربي، إضافة إلى الكتب والصحف والمؤسسات التعليمية الفرنسية الساعية إلى خلق حالة من الاستلاب الثقافي الذي قد يؤدي مستقبلاً إلى خلخلة مكونات الهوية العربية في دول المغرب العربي.
وجاء انعكاس سياسة المنظمة على الأدب الروائي المغاربي ليلقي بظلاله على مستقبل اللغة العربية المرتبط عضوياً بالهوية الثقافية والتاريخية لشعوب المنطقة؛ فالأدب المغربي المكتوب بالفرنسية يثير إشكالات عدة ما دام له أنصار ومعارضون، فالمعارضون لهذا الأدب يتهمون كتّابه بالتذبذب الثقافي، وهذا التذبذب سيؤدي مع الوقت إلى طمس معالم اللغة العربية ومحاولة إحلال اللغة الفرنسية مكانها في بلدان المغرب العربي.
في روايتها الفرنسية غناء الزنبق والريحان تشرح الكاتبة الجزائرية لطيفة بن منصور ما أسمته محاولة استعمار الروح التي كانت اللغة الفرنسية محركها الأساس، بحسب رأي الكاتبة، إذ قالت: القائمون على مدارس الاستعمار كانوا يريدون إخضاع النفوس، غسلها، تعقيمها لإنتاج فرنسيين صغار على دراية بمعارك فرنسا في بواتييه، آليزيا وواترلو، على دراية كاملة بأسماء الشعراء والكتاب الذين يبرزون مجد وواجهة فرنسا -الوطن الأم- أكثر مما يفعله الجنرالات.

المراجع:

[1] – بغض النظر عن طبيعتها العسكرية، كانت نتائج الحملة الفرنسية على مصر ذات أهمية ثقافية وعلمية بالغة على مصر والمنطقة العربية، إذ أدخِلت أول مطبعة باللغة العربية، واكتشف حجر رشيد الأثري وفكّت رموز اللغة الهيروغليفية، إضافة إلى انطلاق الكشوف الجغرافية، وتأليف كتاب يتحدّث عن أحوال مصر، ودخول عادات الغرب الأوروبي إلى المنطقة.
[2] – الجزيرة نت، المنظمة الدولية للفرنكوفونية: http://soo.gd/h4i1
[3] – الموقع الرسمي للمنظمة الدولية للفرنكوفونية: http://soo.gd/eUbs
[4] – موقع عرب 48، الجزائر ترفض الاستعمار الجديد، نقلاً عن الكاتب ووزير الثقافة الجزائري الأسبق محي الدين عميمور 14/3/2017: http://soo.gd/unUF.
[5] – صحيفة البيان الإماراتية، الجزائر والفرانكفونية، للكاتب محمد قيراط: http://soo.gd/K7Ys
[6] – العربي الجديد، الغونكور في تونس، سفيان طارق، 14/10/2015:   http://soo.gd/EDQk
[7] – نون بوست، هل تكون تونس قاعدة للفرنكفونية الجديدة؟، 4/2/2018: http://soo.gd/uCT3  
[8] – موقع وزارة الثقافة والاتصال في دولة المغرب، من خطاب لوزير الثقافة محمد الأعرج في 19/6/2017: http://soo.gd/P9Cs
[9] – موقع مغرس، مقالة بعنوان الفرنكوفونية بالمغرب وسيلة استعمارية أم قنطرة حضارية؟ مداخلة للأستاذ في جامعة الرباط مصطفى بني خلف: http://soo.gd/FGtg.
[10] – صحيفة البيان، مقالة بعنوان قلوبهم في الشرق وأقلامهم في الغرب. للكاتب شاكر نوري، 10/4/2011: http://soo.gd/Waod
[11] – موقع مجلة إنسانيات، إشكالية الانتماء القومي للأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية: http://soo.gd/1Ni3
[12] – مجلة إنسانيات، المرجع السابق.
[13] – مجلة الدفاع الوطني، الفرنكفونية في لبنان والعالم العربي: مشروع حوار بين الثقافات، زهيدة جبور: http://soo.gd/d7jt
[14] – مجلة إنسانيات، المرجع السابق.
[15] – الشرق الأوسط، الطاهر بنجلون: أنا لا أكتب تحت الطلب، للكاتبة سعيدة شريف، 29/6/ 2003:  http://soo.gd/jVl9 )
[16] – موقع ثقافات، حوار مع الروائي التونسي الحبيب السالمي، خلود الفلاح، 17/1/2014:http://thaqafat.com /2014/01/22373

مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي “مينا”

هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.
حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.